الشيخ فخر الدين الطريحي

32

مجمع البحرين

واجهد أن تبول أي لك الجهد في ذلك . وقوله من غير أن تجهد نفسك أي من غير مبالغة ومشقة فيما تفعل . وفي الحديث أفضل الصدقة جهد المقل أي ما بلغه وسعه ، وربما عورض بقوله ع خير الصدقة ما كانت عن ظهر غنى يعني ما فضل عن العيال ، وقد يقال المراد بالغنى سخاوة النفس وقوة العزيمة ثقة بالله ، كما روي أن الغنى غنى النفس يدل على ذلك قوله يأتي أحدكم بما يملكه ويقال هذه صدقة ثم يقعد يتكفف الناس أي يأخذ ببطن يده ، وهو كناية عن التصدي للسؤال فكره له ذلك . وفيه أفضل الجهاد جهاد النفس وهو قهرها وبعثها على ملازمة الطاعات ومجانبة المنهيات . ومراقبتها على مرور الأوقات ، ومحاسبتها على ما ربحته وخسرته في دار المعاملة من السعادات ، وكسر قوتها البهيمية والسبعية بالرياضات ، كما قال تعالى قد أفلح من زكيها . وقد خاب من دسيها . قال بعض الأفاضل في قوله ع أفضل الجهاد من جاهد نفسه التي بين جنبيه قد يظن أن فيه دلالة على عدم تجرد النفس ، والحق أنه لا دلالة فيه على ذلك بل هو كناية عن كمال القرب ، فإن تجرد النفس مما لا ينبغي أن يرتاب فيه . . إلى أن قال : ويمكن أن يراد بالنفس هنا القوى الحيوانية من الشهوة والغضب وأمثالهما ، وإطلاق النفس على هذه القوى شائع . ثم حكى كلام الغزالي تطلق النفس على الجامع للصفات المذمومة أي القوى الحيوانية المضادة للقوى العقلية وهو المفهوم عند إطلاق الصوفية وإليه الإشارة بقوله ع أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك ويتم البحث في نفس إن شاء الله . واجتهد يمينه : أي بذل وسعه في اليمين وبالغ فيها . والاجتهاد : المبالغة في الجهد ، ونقل في الاصطلاح إلى استفراغ الوسع فيما فيه مشقة لتحصل ظن شرعي .